عبد الملك الجويني

206

نهاية المطلب في دراية المذهب

ونصُّ الشافعي مردَّدٌ بين القولين ، فإنه قال : " فأشبه الأمرين " ، فكان هذا ترديداً . ثم قال : " وليس هذا كالمستعير " ، ففي نصه تردد ، وصغوُه إلى قول الضمان . أمّا التفريع ، فقد اختلفت الطرق ، وتباينت المسالك . والسبب فيه ميلُ هذا الأصل عن قياس القواعد ، وبعده عن الأفهام ، فلا يكاد يحيط بأطراف المسألة إلا فقيه موفق . 3675 - فأول ما نصدّر الكلامَ به بعد ذلك أن العراقيين حَكَوْا عن ابن سريج أنه قال : إن جعلنا الرهن مشبهاً بالضّمان ، فهو صحيح ثابت . وإن قلنا : يُنحَى به نحو العواري ، فالرهن غير صحيح ؛ فإن من حُكم الرهن أن يلزم بالقبض ، والعارية لا تلزم . فلا وجه لجمع حكميهما النقيضين . ولكن كأن المعير وعد المستعير أن يرخص له في بيع المستعار ، وصرفِ ثمنه إلى دينه ، وليس بينهما إلا موعد ورجاء . فإن وفى فحسن ، وإن أخلف ، فله ذلك . وهذا قريب في القياس بعيد في الحكاية . وسيكون لنا في أثناء الفصل إلى هذا عودةٌ مقرونة بتنبيه . فليقع التفريع على صحة الرهن . فالتفاريع نخرّجها على القولين ، فنذكر من قضايا الفصل أحكاماً ، ونفرعّ كل حكم على القولين ، وإذا نجزت ، تعدَّينا إلى حكمٍ آخر ، حتى نأتي على أطراف المسألة . 3676 - فالذي أرى تقديمه القولُ في لزوم هذا الرهن . فإن فرَّعنا على قول العارية ، فالذي ذكره القاضي أن للمعير أن يرجع عن إذنه قبل جريان الرهن ، وله أن يفسخ الرهن بعد جريانه ، وقبل اتصاله بالقبض ، فإذا اتصل بالقبض ، لم يملك المعيرُ فسخَ الرهن ، والرجوعَ في العارية ؛ فإنه لو ملك ذلك ، لم يكن لهذا الرهن معنى ، ولم تحصل به الثقة . ومن دقيق ما ينبغي أن يتأمله الناظر في هذه التفاريع الفرقُ بين المستعير وبين المرتهن ، فالعارية متمحضة على قول العارية ، في حق المستعير ، فأما المرتهن ، فليس مستعيراً وإذا لم يكن مستعيراً ، وجب أن تثبت له خاصية الرهن ، وهي وثيقة ،